في بيئات العمل، نرى بين الحين والآخر مبادرات مبتكرة تلمع كشرارة أمل. أفكار فريدة يقودها شغف أفراد آمنوا بالتغيير وكرّسوا وقتهم وجهدهم لصناعة الأثر. ومع ذلك، نرى هذه المبادرات انتهى عمرها قبل أن يبدأ فعلًا؟ كم منها تلاشى رغم جودة الفكرة ونبل الهدف.

من خلال رحلتي المهنية، أدركت أن الابتكار وحده لا يكفي. فالمبادرة، مهما كانت عظيمة، لا تُكتب لها الحياة ما لم تُقاد بمنهجية واعية ورؤية واضحة لآليات التغيير المؤسسي. فبين ولادة الفكرة وتحقيق الأثر، هناك فجوة لا يُجسرها إلا القادة الذين يدركون أن التغيير ليس حدثًا، بل رحلة.

فلابد من رؤية ممنهجة لنجاح المبادرات

من النماذج المؤثرة في قيادة التغيير يأتي نموذج جون كوتر، الذي يقدم إطارًا من ثماني خطوات تساعد المؤسسات على تحويل الأفكار إلى واقع مؤثر ومستدام. يتميز هذا النموذج بالتركيز على الجوانب الإنسانية والتنظيمية للتغيير وليس فقط على المهام والإجراءات، ويؤمن بأن التغيير لا يُفرض، بل يُقَاد.

وهذه هي خطواته الثمانية: [1]

 

 

 

 

 

 

 

  • إيجاد إحساس بالضرورة (Create a Sense of Urgency): إقناع الآخرين بوجود حاجة ملحة للتغيير.
  • تشكيل تحالف قيادي (Build a Guiding Coalition): تكوين فريق مؤثر يدعم التغيير ويقوده.
  • وضع رؤية واستراتيجية (Form a Strategic Vision and Initiatives): توضيح الوجهة التي نسير نحوها ولماذا.
  • نقل الرؤية بفعالية (Enlist a Volunteer Army): إشراك الأفراد وتحفيزهم للإيمان بالرؤية والعمل من أجلها.
  • تمكين الآخرين لإزالة العوائق (Enable Action by Removing Barriers): كسر الحواجز التي تعيق التقدم.
  • تحقيق مكاسب قصيرة المدى (Generate Short-Term Wins): تحقيق إنجازات مبكرة لبناء الثقة والدافع.
  • تسريع التغيير (Sustain Acceleration): الاستمرار بالبناء على النجاحات وتعميق التغيير.
  • ترسيخ التغيير في الثقافة المؤسسية (Institute Change): جعل التغيير جزءًا من هوية وثقافة المنظمة

 

ما بين البروز الفردي والاستدامة المؤسسية

في بعض البيئات التنظيمية، تُطلق المبادرات بدافع البروز الشخصي أكثر من الرغبة في صناعة تغيير حقيقي. تُضاء الفكرة لتلمع في مناسبة، أو لتُذكر في تقرير، ثم تنطفئ مع غياب صاحبها، فحين تُربط الأفكار بالأشخاص بدلًا من الأنظمة، فإنها تموت بموت الحماس، لا بنهاية الحاجة.

بل أحيانًا، تُصبح بعض المؤسسات بيئات غير مرحبة بالتحالفات او التعاونات وتوزيع الأدوار، فترى في المبادرة الجماعية تهديدًا للمكانة الفردية، أو تضييعًا للأضواء. هنا تختنق المبادرات داخل هياكل تعطي الأولوية للظهور على حساب الأثر.

ما نحتاجه فعليًا هو:

  • مبادرات تقودها رؤية مشتركة لا أفراد
  • وقيادة تركز على التحالفات لا على الأضواء

فقيادة التغيير لا تحتمل الفردية، ولا تبنى على نوايا الظهور، بل على الإيمان الحقيقي بأن الأثر المستدام أقوى من أي إنجاز فردي فالمبادرات المستدامة لا تنجح إلا ببنية تحتية من الثقة، والتحالف، والانتماء، لا من خلال مشروعات مؤقتة.

هنا يكمن دور القائد الفطن من يوجّه الضوء نحو الفكرة، لا نحو الفرد من يحوّل الإنجاز الفردي إلى منظومة جماعية تُحدث أثراً حقيقيًا، وتتجاوز الأشخاص لتصبح جزءًا من هوية المؤسسة وثقافتها.

أخيراً قيادة التغيير تتجاوز حدود الفكرة، لتُترجم الفكرة إلى التزام فعلي بتحقيق أثر مؤسسي مستدام.

 

المراجع:

 [1] Kotter International Inc., “Methodology – The 8‑Steps For Leading Change,” Kotter International Inc. [Online]. Available: https://www.kotterinc.com/methodology/8-steps/. [Accessed: Jul. 8, 2025]

[1] Kotter International Inc. (n.d.). The 8 steps for leading change. Kotter. https://www.kotterinc.com/methodology/8-steps/